ابن الجوزي
56
كشف المشكل من حديث الصحيحين
أحدها : أن حديث عمر مجمل ، وقد فسرته عائشة ، فجاء في المتفق عليه من حديثها : أنه ذكر لها حديث ابن عمر : « إن الميت ليعذب ببكاء الحي » فقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ ، إنما مر رسول الله على يهودية يبكى عليها فقال « إنه ليبكى عليها ، وإنها لتعذب في قبرها » . وفي بعض ألفاظ الحديث عن عائشة أنها قالت : إنما قال رسول الله : « إن أهل الميت يبكون عليه ، وإنه ليعذب بجرمه » ( 1 ) فعلى هذا يكون التعذيب لا لأجل النوح ويكون الراوي : « بما نيح عليه » غالطا في اللفظ . وقد كانت عائشة تحفظ أشياء ترد بها على جماعة من الصحابة ، فيرجعون إلى قولها . ومن ذلك ما سيأتي في مسند ابن عمر : أنه سئل : هل اعتمر رسول الله في رجب ؟ فقال نعم . فقالت عائشة : ما اعتمر قط في رجب ، وابن عمر يسمع ، فلم ينكر ما قالت ( 2 ) ، وما ذاك إلا أنه علم أنه غلط ، فرجع إلى قولها . وهذا الجواب لا أعتمد عليه لثلاثة أوجه : أحدها أن ما روته عائشة حديث وهذا حديث ، ولا تناقض بينهما ، بل لكل واحد منهما حكمه . والثاني : أنها أنكرت برأيها وقالت بظنها ، وقول الرسول إذا صح لا يلتفت معه إلى رأي ، وليس هذا بأعجب من إنكارها الرؤية ليلة المعراج ، وإنما يرجع إلى الرواة المثبتين . والثالث : أن ما ذكرته لم يحفظ إلا عنها ، وذلك الحديث محفوظ عن عمر ، وابن عمر ،
--> ( 1 ) « الجمع » ( 3308 ) ولم يعرض له المؤلف . ( 2 ) الحديث ( 2538 ) وينظر ( 1600 ) .